عبد الله الأنصاري الهروي
357
منازل السائرين ( شرح التلمساني )
[ الدّرجة الثانية تعظيم الحكم أن لا يبغى له عوجا ، أو يدافع بعلم ، أو يرضى بعوض . ] الدّرجة الثانية : تعظيم الحكم أن لا يبغى له عوجا ، أو يدافع بعلم ، أو يرضى بعوض . ( 1 ) الحكم هو باطن العلم ، وهو ثمرة العمل الصّالح ، أي هو يكون بعد العمل الصّالح في غالب الأمر ، إلّا أنّه موهبة ، وهو مبدأ تنزّلات المعارف ، وقد مضى شرحه ، فيعظمه أن يبغى له عوج ، أي ينزّه عن احتمال العوج ، وذلك لأنّه قد ينافر ظاهر العلم ، فيحتاج أن يرجح معناه على معنى العلم ، فيترك على حاله ، ولا يقبل من العلم ، فإنّ العلم يثبت فيه عوجا ، فلا يجوز لك إن عظّمته أن تبتغي له عوجا ترجيحا للعلم عليه . وأنا أقول : إنّ الشيخ رضي اللّه عنه لم يرد بهذا الكلام أن يوصي صاحب مقام التّعظيم / باطّراح ظاهر العلم ، ولكن أشار إلى أنّ صاحب هذه الدّرجة الثانية من هذا المقام يعرض له أن يرجّح الحكم على العلم ، ولا يبغي للحكم عوجا ، أي لا يجد فيه عوجا ، وذلك لأنّ الحكم هو حاكم لنفسه بالغلبة ، قاهر للعلم لظهور آياته على صدقه ، وصاحبه ينقاد إليه طوعا وكرها . قوله : أو يدافع بعلم ، أي لا يدافع معنى الحكم بعلم ، فكأنّه قال : أن يمضي معنى الحكم ويلغي ظاهر العلم ، هذا هو مضمون كلامه . وأنا أقول : إنّ الحكم لا ينافي العلم الصّحيح ، لكن ربّما ذهب العلماء إلى أمر ، والصواب خلافه ، وهم لا يشعرون ويعتقدون إنّهم ذهبوا إلى الصّواب ، فالحكم ينافي مثل هذا ، ويخصّص من العلم ما هو الحقّ والصّواب ، فكان العارف يطّلع من مقام الحكم على مقام العلم